فخر الدين الرازي
69
تفسير الرازي
* ( واشهد بأنا مسلمون ) * فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر ، وتقوية له ، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة . القول الرابع : إن قوله * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السماوات مع الملائكة قال الله تعالى : * ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ) * ( المطففين : 18 ) فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهوراً في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين . القول الخامس : إنه تعالى قال : * ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) * ( آل عمران : 18 ) فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك . والقول السادس : إن جبريل عليه السلام لما سأل محمداً صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : " أن تعبد الله كأنك تراه " وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام الغيبة ، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * . القول السابع : إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ذابين عنه ، قالوا * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك . ثم قال تعالى : * ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصل المكر في اللغة ، السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، قال الزجاج : يقال مكر الليل ، وأمكر إذا أظلم ، وقال الله تعالى : * ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) * ( الأنفال : 30 ) وقال : * ( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) * ( يوسف : 102 ) وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى : * ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) * ( يونس : 71 ) فلما كان المكر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكراً . المسألة الثانية : أما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم ، ففيه وجوه الأول : مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام ، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى قوله * ( وأيدناه بروح القدس ) * ( البقرة : 87 ) فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة ، فلما دخلوا